حسن بن عبد الله السيرافي
29
شرح كتاب سيبويه
المواضع التي لا يحسن وقوع الأسماء فيها ؟ فإن الجواب في ذلك : أن عوامل الأفعال في كل موضع مخالفة لعوامل الأسماء في المواضع كلها ، فإذا وجب إعراب الأفعال ، فليس يجوز أن تعربها بما أعربنا به الاسم ، وإذا كان ذلك كذلك ، فلا بد من عوامل لها ، لا تقع الأسماء بعدها . ووجه ثان : أن الفعل المضارع قد شابه الاسم بالزوائد التي في أوله ، فاستحق بذلك أن يكون معربا ، وأين وجد على هذه الصورة وبهذه الصيغة استحق الإعراب ، للزوائد في أوله ، وليس الزائد هو الذي أعربه ، ولكن هو الذي سوغ أن يدخل عليه العوامل فتعربه ، ونظير هذا أنا نقول : إن ما لا ينصرف إذا دخل عليه الألف واللام ، أو أضيف ، حرك بالحركات الثلاث ، فليس الألف واللام والإضافة هن اللاتي حركنه ، ولكنهن سوغن دخول الحركات الثلاث عليه ، وهيأنه لذلك . فإن قيل : فهلا أعطيتم الفعل جميع ما للاسم ، من الرفع والنصب والجر ، والتنوين ، لمضارعته الاسم ، كما أعطيتم الأسماء المبنية ، لمضارعة الحروف - السكون الذي للحرف - نحو " من " و " كم " وأشباه ذلك ؟ فإن الجواب في ذلك : أن الحروف هي ساكنة فقط ، والسكون هو وجه واحد ، فإذا ضارعها اسم ، أعطى بحق المضارعة شيئا هو في الحروف ، وليس فيه إلا السكون ، فسكن فقط ، والأسماء فيها ثلاث حركات وتنوين ، فإذا ضارعها الفعل أعطى بحق المضارعة بعض ما في الاسم ، ولم يبلغ من قوته ، وهو فرع على الاسم ، ومشبه به أن يكون مثله في جميع أحواله ، وقد أمكن أن يعطي بعض ما فيه ، ليدل على موضع المشابهة . فإن قال قائل : فبماذا ترفع الأفعال المضارعة ؟ قيل له : لوقوعها في موقع الأسماء ، سواء كانت الأسماء التي وقعت موقعها ، مرفوعة ، أو منصوبة ، أو مخفوضة ، وذلك قولك : " جاءني رجل يضحك " و " رأيت رجلا يضحك " ، و " مررت برجل يضحك " . فإن قال قائل : فلم كانت الأفعال مرفوعة بوقوعها موقع أشياء مختلفة الإعراب ، من مرفوع ، ومنصوب ، ومخفوض ؟ قيل له : من قبل أن العوامل التي للأسماء ، لا تعمل في الأفعال ، ولا تسلط عليها ، فلم يعتبر اختلاف إعراب الأسماء في إعراب الأفعال ، إذ كان لا تأثير لذلك في الأفعال ، ورفع الفعل ، لوقوعه موقع الاسم . فإن قال قائل : فلم صار الرفع أولى به ؛ بوقوعه موقع الاسم ؟